حسن ابراهيم حسن

370

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

أصبحت الأمة في أمر عجب * والأمر مجموع غدا لمن غلب فقلت قولا صادقا غير كذب * إن غدا تهلك أعلام العرب اشتعلت نار الحرب بين الفريقين أياما متوالية . فلما قتل عمار استاء أصحاب على لمقتله ، فزحفوا على جند معاوية حتى أشرفوا على الفتح . فدعا معاوية بفرسه ونادى أهل الشام : اللّه اللّه في الحرمات والنساء والبنات ! وقال : هلم مخبأ لك يا ابن العاص فقد هلكنا . غير أن عمرو بن العاص استطاع بما أوتيه من فنون الدهاء أن يفرق بين جند على وقال لجنده : « أيها الناس ! من كان معه مصحف فليرفعه على رمحه » ، فرفعوا المصحف وقال قائلهم : « هذا كتاب اللّه عز وجل بيننا وبينكم » . فلما رأى أهل العراق المصاحف مرفوعة قالوا : « نجيب إلى كتاب اللّه » « 1 » : وأراد عمرو بحيلته هذه أن يكسر من حدة جند على وحميتهم - وكانوا قاب قوسين أو أدنى من الانتصار - وأن يفرق بينهم ويفت في عضدهم فيكفون عن قتالهم . ولما رغب أهل العراق في الموادعة نصح لهم على ألا يغتروا بقول معاوية وأصحابه وقال لهم : إن ذلك لم يكن إلا خديعة أرادوا بها أن يفرقوا كلمتكم ويقضوا على وحدتكم . فأبوا وطلبوا منه أن يبعث إلى الأشتر ليترك القتال ، فأرسل إليه ، فقال الأشتر للرسول : « ليس هذه الساعة التي ينبغي أن تزيلنى فيها عن موضعي وقد رجوت أن يفتح لي فيها فلا تعجلنى » فرجع الرسول بالخير ، فما انتهى إليه حتى ارتفع الضجيج وعلت الأصوات بين جند الأشتر ، فقال له القوم : « واللّه ما نراك إلا أمرته أن يقاتل . ابعث إليه فليأت ، وإلا واللّه اعتزلناك » . فقال على للرسول : « ويحك ! قل للأشتر أن يقبل فإن الفتنة قد وقعت » ، فلم يسعه إلا المجىء وترك ساحة القتال . أرسل على الأشعث بن قيس إلى معاوية يستطلع رأيه ، فقال له معاوية : « نرجع نحن وأنتم إلى ما أمر اللّه في كتابه : تبعثون منكم رجلا ترضونه ونبعث منا رجلا ثم نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب اللّه » .

--> ( 1 ) المسعودي : مروج الذهب ج 2 ص 20 - 22 .